13 - 02 - 2026

ملامح | مصر وإيران.. والمصير المحتوم

ملامح | مصر وإيران.. والمصير المحتوم

فرضت الجغرافيا والسياسة حتمية المصير على مصر وإيران.. أغمض عينيك وانظر لخريطة الشرق الأوسط.. لترى حدها الشرقي إيران، وحدها الغربي مصر، وبينهما توجد المقاومة العربية المدعومة عسكريا وسياسيا من طهران، ودبلوماسيا ومعنويا من القاهرة، أي أنهما جناحا المقاومة والشرق الأوسط. ولابد للجناحين أن يلتقيا، خاصة وأنهما يواجهان خطراً واحداً، ألا وهو الصهيونية الأمريكية المتوغلة في المنطقة بفضل قواعدها التي جلبها أهل الخليج، لحمايتهم من الاحتلال الإيراني كما أفهمهم البيت الأبيض، كما جلب أهل الخليج العسكرية الأمريكية للأراضي العراقية للإطاحة بصدام حسين الذي دفعته أمريكا والخليج لمحاربة إيران تحت وهم الخطر الإيراني.

وجود القواعد الأمريكية في الخليج والعراق وسوريا والأردن يهدد الأمن القومي المصري والإيراني معاً، لأنها تخدم الكيان الصهيوني، الذي ينظر لهما على أنهما الخطر الأكبر، المهدد لوجوده بمنطقة الشرق الأوسط، ويعيق تحقيق حلمه بتكوين إسرائيل الكبرى. كما أن العقيدة الإيرانية والمصرية تنظران للصراع مع الكيان الصهيوني أنه صراع وجود لا حدود. فالحلم يستهدف ثلث مساحة مصر تقريبا (شرق نهر النيل وسيناء) وتقسيم إيران لخمس دويلات صغيرة وضعيفة قائمة على أساس عرقي وطائفي (دولة للأذربيجانيين في الشمال الغربي.. دولة للكرد في الغرب.. دولة للعرب في محافظة خوزستان، التي تسمى "عربستان" في الخطاب الانفصالي.. دولة للبلوش في الجنوب الشرقي.. دولة فارسية مركزية صغيرة في القلب).

وإذا كانت مصر وإيران تتشاركان خطر تهديد وجودي واحد، فإن شعوب الدولتين يتشاركان معاً في الانتماء للدولة أولاً، حيث تجد الانتماء الوطني هو هوية جامعة وقوية، للشعبين الإيراني والمصري، رغم التنوع العرقي والديني، حتى وإن اختلفا مع الأنظمة الحاكمة.. وذلك ما بدا في حرب الـ 12يوم، أو "الحرب الطائرة" بين إيران والكيان الإسرائيلي، أواخر يونيو/ مطلع يوليو 2025، حيث ساند الشعب الإيراني بالداخل والخارج، بما في ذلك المعارضين للنظام الجيش والدولة.. كما تراجع المتظاهرون في ديسمبر2025/ ويناير 2026، عن التظاهر لتردي الأوضاع الاقتصادية، عقب تلويح واشنطن وتل أبيب والعواصم الأوروبية بالتدخل لصالح عملاء المخابرات العالمية الذين غيروا مصير التظاهرات لعنف، وتظاهر الشعب لصالح الدولة.. ومن قبل وقف الشعب المصري مدافعاً عن دولته في 30 يونيو 2013، ضد جماعة الإخوان المسلمين التي انتخبها لإدراكه بما تحمله تلك التجربة من خطر على الدولة المصرية.

ولا يفوتنا في ذلك السياق، توضيح أن مصر تعرضت إبان 2011 وحتى العام 2015 تقريباً، لمخطط عالمي شاركت فيه بعض الأنظمة العربية، لإسقاط الدولة في فوضى الإخوان والجماعات المتطرفة، واستخدم أنصار المخطط العنف المسلح ضد الشعب والأمن، وذلك ما حدث في إيران إبان مظاهرات البازار، أواخر ديسمبر 2025، وقد ذكرت أجهزة الأمن الإيرانية تورط 10 أجهزة مخابراتية عالمية في دعم المحرضين لإسقاط الدولة، وهو ذات السيناريو الذي تعرضت له مصر، ولو بحثنا لوجدنا أن ذات الدول التي وقفت خلف أحداث مصر ستجدها حاضرة في إيران.

الخلاصة أن الشعبين المصري والإيراني أثبتا أن الرهان على "سقوط الدول من الداخل" أصبح رهاناً فاشلاً، الشعبان لديهما غريزة بقاء مرتبطة بكيان "الدولة المركزية" التي تعود لآلاف السنين.

فضلا عن ذلك، تتمتع الدبلوماسية المصرية والإيرانية بالوضوح، والصراحة، والموقف الثابت.. دبلوماسية نزيهة لا تقوم على الخداع، وتسعى للحفاظ على وحدة الدول وحمايتها من التقسيم، ومحاربة الإرهاب، وقد وضح ذلك في سوريا.. عندما اندلعت الثورة السورية في العام 2011، المدفوعة من تركيا وقطر والإمارات والسعودية بدعم أمريكي ومباركة إسرائيلية، وذلك باعتراف رئيس وزراء وزير خارجية قطر السابق حمد بن جاسم، الذي قال في لقاء إعلامي "إنه تم تشكيل غرفتين عمليات لإدارة الثورة السورية غرفة بالأردن والثانية بتركيا) في تلك الأثناء كان الموقف المصري (وإن اختلف في فترة حكم الإخوان المسلمين، ثم عاد للطبيعة المصرية المعهودة) مناصرة النظام السوري حفاظاً على الدولة السورية، وعدم تكرار النموذج الليبي، وألا تكون سوريا ملعبا للصراع الإيراني ـ التركي، والإيراني ـ الإسرائيلي، وقطع الطريق على الاحتلال وتركيا بفرض نفوذهم على الشمال والجنوب السوري، ولعبت القاهرة دوراً دبلوماسياً صعباً ومارست كافة الضغوط حتى أعادت دمشق لأحضان الجامعة العربية.

في المقابل، تدخلت طهران عسكريا لحماية سوريا (أرضا وشعباً) من التنظيمات الإرهابية التي يقدر عددها بنحو 150 تنظيما، دفاعا عن الوحدة السورية، فيما كان الأشقاء العرب يتآمرون عليها، ولم تستعن إيران بتنظيمات إرهابية على غرار تركيا التي فتحت حدودها لإدخال تلك التنظيمات ودعمها حتى وصلت لسدة الحكم من خلال تنظيم جبهة النصرة بقيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني).

وقدمت القاهرة وطهران الكثير من النصائح لبشار الأسد لتحسين الأوضاع وتفاديا للمأزق، لكن الأسد لم يستجب ظنا منه أن التقارب السوري الخليجي سيكون بوابة النجاة للحصول على الرضا الأمريكي والأوروبي.

الواقع والمخاطر المحيطة بالبلدين وما يخطط لهما، فرض الوحدة الاستراتيجية، خاصة وأن العلاقات المصرية الإيرانية ليست وليدة اللحظة فهي علاقة نشأت عام 1928، وشهدت مصاهرة بزواج شاه إيران محمد رضا بهلوي بالأميرة فوزية شقيقة ملك مصر فاروق الأول.. وتعرضت العلاقات لتوتر دام سنوات بسبب اتفاقية كامب ديفيد، لكن ظل هناك تقارب وتعاطف، وضح في لحظات الأزمات، فمثلاً في يناير 1995، أدانت مصر تهديدات إسرائيل بضرب المفاعلات النووية الإيرانية للأغراض السلمية، وفي العام ذاته أدانت إيران محاولة اغتيال الرئيس مبارك في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا.. كما رفضت القاهرة عام 1996، المشاركة في تنفيذ قرار الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بفرض حظر تجاري على إيران.. وفي عام 2025، لعبت مصر دوراً لتقريب وجهات النظر بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومؤخراً لعبت القاهرة دوراً في تخفيف التوتر العسكري بين ترامب وإيران، التي خصت مصر بردها القاطع بشأن التفاوض والحرب المتوقعة، وهو ما نقلته القاهرة بكل أمانة موضحة تحذيرات الحرب ضد إيران.

وهناك أمر لا يتطرق له الكثيرون، وهي العلاقة غير المباشرة والرؤية المتبادلة بين الإمام آية الله الخميني والزعيم جمال عبد الناصر، حيث رأى الخميني ـ الذي دعاه ناصر لزيارة مصر والأزهر خلال نفيه لمدينة النجف العراقية ـ عبد الناصر رمزاً للمقاومة، وأن ثورته بشارة سعيدة لدعاة التحرّر، ولكفاح الشعوب ضد الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية.. فيما رأى عبد الناصر أن الثورة الإيرانية الإسلامية التي كان يقودها الخميني، ستشكل سنداً للقوى الوطنية والتحررية بالدول العربية، وبالتالي بالشرق الأوسط.

ولا ننسى وجود قواسم مشتركة تجمع بين شطري البلدين، ومن بينها أن مصر ليس لديها مذهب ديني أو سياسي أو عقائدي تسعى لنشره والمذهب الشيعي لا يخيف المصريين لتواجده فيها منذ قرون ولا يفوتنا أن الأزهر بناه الفاطميون وكان يدرس المذهب الشيعي، وأن مصر ظلت لعقود تدين بالمذهب الشيعي حتى قيام الدولة الأيوبية بقيادة الناصر صلاح الدين الذي أغلق الأزهر "المسجد الجامع".. وإيران ليست في حاجة لنشر المذهب الشيعي لتواجده بين المسلمين أسوة بالمذهب السني، ولا يفوتنا أن الشعبين المصري والإيراني من محبي آل البيت، ويحملون لهم كل التقدير.  

إذن العلاقة المصرية الإيرانية علاقة ممتدة، وعلاقة تأخي في مقاومة الاستعمار، والنفوذ الصهيوأمريكي والرجعية الشرق أوسطية.. وهناك تشابه شعبي وسياسي فكلاهما ليس له مطامع في ثروات الدول، والواقع يخبرنا أن مصر وإيران تمثلان بالفعل "ثقلي الميزان" في الشرق الأوسط، وأن استقرار المنطقة تاريخياً كان يرتبط دائماً بتوازن القوى بين الهضبة الإيرانية ووادي النيل.
----------------------------
بقلم: محمد الضبع

مقالات اخرى للكاتب

ملامح | مصر وإيران.. والمصير المحتوم